لإيران تقليدها السياسي الغريب قياساً بدول منطقتنا، ولطهران تقليدها السلطوي الخاص. قبل نحو ثماني سنوات كانت المرة الأولى التي أرى فيها السيد خامنئي عن قرب. لا زلت أذكر الدلالات السلطوية في اللقاء داخل الحسينية الشهيرة (حسينية الإمام الخميني) في طهران. الكل يجلس على الأرض حافياً، قيادات الدولة وعسكريوها يحضرون قبيل الكلمة بساعات حفاة أيضاً. وغير هتافات الثوريين التي تستعيد لحظات رمزية مؤثرة لا أحد يهمس بحرف.
في الأعلى من منبر الحسينية آية من القرآن أو حديث يتصل مباشرة بالمناسبة. تُنتقى الآية أو الحديث بدقة. الأهم في اللقاء اللحظة التي يخرج فيها الخامنئي على الناس. هو يطلع من خلف ستارة فجأة ومن خلفه أركان الدولة الأربعة؛ رئيس مصلحة تشخيص النظام، رئيس البرلمان، رئيس القضاء، ورئيس الجمهورية، قبل أن يجلس على كرسي خشبي بسيط ومن خلفه يجلس أركان الدولة الأربعة على الأرض، قبل أن يقدّم رئيس الجمهورية المرشد الأعلى للناس بكلمة موجزة.
لا زلت أذكر انطباعي عن اللقاء. ثمة دلالة سلطوية كثيفة في كل هذا الفضاء. والحسينية فضاء رمزي مكثف للسلطة، والزهد، والإيمان الجماعي في هذا الحيّز من الشرق. قلت لصديق رافقني حينها ثمة معنى وحيد لما شاهدناه: صاحب السلطة في طهران لا يحتاج إلى عروش كي يثبت سلطته، وهو لا يملك شيئاً ليخسره في الآن عينه. كثيرة هي التفاصيل التي قلما نتنبّه إليها عند بحثنا عن إيران. إيران ليست دولة شرق أوسطية، بل هي بوابة الشرق الآسيوي. السيد الخامنئي نفسه اهتم بأدبيات سيد قطب وترجمها قبل انتصار الثورة، هذا صحيح، لكنه اهتم على نفس الدرجة بأدبيات حركة التحرر الإسلامية في الهند، وترجم لوزير الأوقاف المصري عبد المنعم النمر كتابه كفاح المسلمين في تحرير الهند».
ما أريد قوله إن منظار طهران للعالم العربي يختلف بنحو كبير عن مقاربة العالم العربي لطهران. فالأخيرة تتوسط قضايا المتوسط من جهة، لكنها تتموضع في الشرق موضع القلب منه. وصحيح أن المجال الحيوي للثورة الإسلامية كان المشرق العربي، إلا أن الشخصية التاريخية لإيران شخصية غير متوسطية. أكره تحكيم الجغرافيا السياسية في تفسير الواقع، لكن ألكسندر دوغين (بغض النظر عن هلوساته مرات) كان قد أصاب مرة في وصفه إيران بـ«قلب القارة الآسيوية». بالنسبة إلى دوغين إيران قرينة ألمانيا لناحية الدور. وبمثل ما تشكّل ألمانيا قلب أوروبا الوسطى وقوّتها، تلعب إيران دور القلب بالنسبة إلى آسيا الوسطى ومفتاحاً مركزياً لعموم القارة الآسيوية. يكشف هذا المنظور بعضاً من تصاعد التوتر الأميركي – الإيراني الحالي.
فإذا كانت حرب الـ12 يوماً على إيران تتويجاً لمسار بدأ من قبل أكثر من أربعة عقود على مستوى المواجهة المباشرة، وغير المباشرة، بين إيران وإسرائيل، فإن التصعيد الغربي مع إيران اليوم فيه نوع من النشأة المستأنفة، ولكن لقصة أخرى؛ قصة الهيمنة الأميركية على آسيا. إيران آخر منافذ آسيا البرية إلى العالم إذا ما أرادت أي دولة آسيوية تحدي الهيمنة الأميركية يوماً، وهي واحدة من أربعة أركان (مضافة إلى فنزويلا، روسيا، والسعودية) تعتمد آلة الصناعة الصينية عليها لناحية الطاقة. من هنا صارت إيران عنوان السياسة الأميركية الراهنة، وضربها هدف أميركي مركزي من أجل الحفاظ على عرش الولايات المتحدة كسيدة للعالم.
ذكريات يتجنّبها الإيرانيون
في طهران ثمة شارع اسمه نوفل لو شاتو، على اسم المنطقة التي سكنها الإمام الخميني خلال منفاه في فرنسا. تقع في الشارع سفارتا روسيا وبريطانيا. وعلى درج السفارة الروسية (سفارة الاتحاد السوفياتي سابقاً) اجتمع قادة الحرب العالمية الثانية؛ جوزيف ستالين وفرانكلين روزفلت وونستون تشرشل، في ما يُعرف بمؤتمر يوريكا أو قمة طهران عام 1943. قلما يستعيد الإيرانيون تلك الذاكرة، وهم وإن استعادوها لحظة ستجدهم مقلّين في الكلام (على غير عادتهم). يوريكا جرح في الشخصية النرجسية الإيرانية. هناك رأى الناس كيف يجتمع قادة العالم من دون إذنهم ولا حضورهم لتقسيم إيران وضرب أحلام النهوض الصناعي فيها (للإنصاف، حاول محمد رضا بهلوي دخول السفارة السوفياتية لأخذ صورة مع الرؤساء المجتمعين لكنّ أمن السفارة طرده).
أثناء زيارتي لمساجد طهران التي أُحرقت ليلة الثامن من كانون الثاني (الليلة الأعنف التي شهدتها طهران خلال الأزمة الراهنة) كان أكثر ما لفتني - من بعد نسقها العمراني – أولئك الطاعنون في السن الذين يهتفون بالموت لأميركا وبريطانيا وإسرائيل بُعيد كل صلاة
دائماً ما أقول إن في الحروب لحظات انكشاف قصوى وإن الحروب كاشفة. الحرب العالمية الثانية، بحد ذاتها، كانت كاشفة لحقيقة النظرة الدولية لمنطقتنا. التنافس الروسي البريطاني من جهة، والألماني من جهة أخرى، في قلب طهران، لم يكن منبت الصلة مع معركة ستالينغراد نفسها. بالنسبة إلى ألمانيا كان الانتصار في ستالينغراد (لو حصل) يعني بالضرورة تغيير موقفي طهران وأنقرة من الحرب بعدما التزمتا الحياد، وكان يعني طرد بريطانيا من حقول عبادان والبصرة النفطية. أمّا بالنسبة إلى الحلفاء (الاتحاد السوفياتي، بريطانيا وأميركا)، فطهران كانت مختصرة بالممرّ الفارسي الذي أمّن للسوفيات ثلث دعم الأميركيين لهم في المجهود الحربي.
في الخلاصة، تُظهر الحرب العالمية الثانية موقع إيران وموضعها في النظام الدولي. إيران محط تقاطعات القوقاز، والخليج، وتلك هي الحدود الفعلية لإيران ومجالها الحيوي الطبيعي.
أعدتُ السؤالَ غير مرّة على الإيرانيين حول قمة طهران تلك، وغير الأسى لم أجد إجابة. في الحقيقة، تشكّل المرحلة الممتدة بين عامَي 1941 تاريخ الاحتلال السوفياتي – البريطاني لإيران، و1953 تاريخ انقلاب أميركا على محمد مصدق نواة عداء الطبقة الوسطى في طهران - إبّان تلك المرحلة - لمسألة الغرب والقوى الأجنبية. وتلك السنوات هي التي صنعت وعي العداء لبريطانيا والولايات المتحدة، وبدرجة لا تقلّ عنهما للاتحاد السوفياتي غير المأمون الجانب. وتلك المرحلة أيضاً هي ما أنتج ثورتَي خرداد 1963، وشباط 1979.
أثناء زيارتي لمساجد طهران التي أُحرقت ليلة الثامن من كانون الثاني (الليلة الأعنف التي شهدتها طهران خلال الأزمة الراهنة) كان أكثر ما لفتني - من بعد نسقها العمراني – أولئك الطاعنون في السن الذين يهتفون بالموت لأميركا وبريطانيا وإسرائيل بُعيد كل صلاة. وتلك ثقافة لا علاقة للدولة بها. فما إن تخرج من المسجد حتى ينفتح المجال العام على عالم آخر. ثمّة هوّة جيلية تعيشها طهران. وإيران اليوم لا تواجه تحدّياً سياسياً بقدر ما تواجه تحدّيات ثقافية، اقتصادية، سياسية، وأمنية عميقة. أحداث الشغب التي اشتعلت في شوارع طهران هذا الشهر لم تكن مجرد رد فعل غاضب، هي أشارت إلى ما هو أخطر. ثمة انقسام عمودي في المجتمع يزيد من صعوبة تعاطي السلطة معه.
هل دخلت إيران حقبة «سنوات الرصاص»؟ كثيراً ما كنت أسأل الناس الذين التقيتهم عن هذا المفهوم بالتحديد. فـ«سنوات الرصاص» مفهوم وُلد سياسياً بعد أحداث عام 1965 في إندونيسيا، عندما راح قادة فرق الموت الموالون لسوهارتو والولايات المتحدة في قتل أعضاء الحزب الشيوعي والإندونيسيين من ذوي الأصول الصينية. وهو المفهوم نفسه الذي صعد إلى السطح إبّان مرحلة السبعينيات والثمانينيات في إيطاليا عندما دعمت الولايات المتحدة أعضاء حركة غلاديو الفاشية لقتل الشيوعيين. وهو المفهوم نفسه الذي عرفته تركيا أواسط السبعينيات عندما دعمت الولايات المتحدة منظمات الأرغينكون والذئاب الرمادية لمنع أي انقلاب داخل الجيش مؤيد للشيوعية. فهل دخلت طهران فعلاً هذه المرحلة؟ لا أحد يملك جواباً حاسماً في شوارع طهران. فكل ما وقع في أزقتها قبيل أيام قد يدفع بهذا الاتجاه من التحليل.
عود على بدء
أعود لتقاليد إيران الغريبة عنّا في المنطقة العربية. قبيل أقل من أسبوع عدت لزيارة الحسينية التي ألقى بها السيد الخامنئي كلمته حول الأحداث الأخيرة. الكثير من الأمور تغيّرت في طهران. هذه المرة خرج السيد وحيداً لأسباب أمنية. لم يكن أحد من أركان الدولة إلى جانبه. وقف رافعاً يده للحضور، ولم يكن في الحضور غير أناس عاديين وبعض من قوات الباسيج (قوات التعبئة الثورية). هتف الحضور ملء حناجرهم بأننا «لن نترك علياً وحده». أنظرُ إلى الحضور. الكثير منهم جرحى وعدد من الأيادي التي لوّحت للخامنئي كانت مخضبة. لم أفهم الكثير من خطابه لعدم معرفتي باللغة الفارسية، لكني سمعت النداء نفسه يعلن العداء لأميركا والصهيونية. أسأل صديقاً إيرانياً لي ونحن في طريق عودتنا: ما الذي يحصل في طهران حقيقة؟ يقول لي: لو أننا تصرّفنا كثورة طوال هذه العقود... ما أكبر الثورة، ما أصغر الدولة.
كاتب